عبد القادر الجيلاني
147
فتوح الغيب
أي : ما عملوا في الدّنيا من أداء الأوامر ، والصّبر على ترك المناهي ، والتّسليم والتّفويض إليه في المقدور ، والموافقة له في جميع الأمور . وأمّا الغير الّذي أعطاه اللّه عزّ وجلّ الدّنيا وخوّله ونعّمه بها وأسبغ عليه فضله فعل به ذلك ، لأنّ محلّ إيمانه أرض سبخة « 1 » وصخر ، لا يكاد ينبجس منها « 2 » الماء و ( لا ) تنبت فيها الأشجار ، و ( لا ) يتربّى فيها الزّرع « 3 » والثّمار فصبّ عليها أنواع سباطه وغيرها ممّا يربى به النّبات والأشجار ، وهي الدّنيا وحطامها ليحفظ بها ما أنبت فيها من شجرة الإيمان وغرس الأعمال ، فلو قطع ذلك عنها لجفّ النّبات والأشجار ، وانقطعت الثّمار ، فخربت الدّيار ، وهو عزّ وجلّ مريد عمارتها . فشجرة إيمان الغنيّ ضعيفة المنبت وخال عمّا هو مشحون به منبت شجرة إيمانك يا فقير ، فقوّتها وبقاؤها بما ترى عنده من الدّنيا وأنواع النّعيم ، فلو قطع ذلك عنه مع ضعف الشّجرة جفّت ، فكان كفرا وجحودا وإلحافا بالمنافقين والمرتدّين والكفّار ، اللّهمّ إلّا أن يبعث اللّه عزّ وجلّ إلى الغنيّ عساكر الصّبر والرّضا واليقين والتّوفيق والعلم وأنواع المعارف ، فيتقوّى الإيمان بها ، فحينئذ لا يبالي بانقطاع الغنى والنّعيم . واللّه الهادي الموفّق . * * *
--> - الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . فاقرؤوا إن شئتم : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ السجدة : 17 ] » . ( 1 ) بسكون الباء ، جمع سباخ : أرض ذات نزّ وملح . ( 2 ) تحرف في المطبوع إلى : ( ينبت فيها ) . وينبجس : يتفجّر منها الماء . ( 3 ) في نسخة : ( الزروع ) .